; ; العاصوف مرة أخرى

العاصوف مرة أخرى

محمد غازي الاخرس

ها هي ذي عودة أخرى لمسلسل "العاصوف" الذي وعدتكم بالتوقف عنده لتبين أسباب أهميته ثقافيا ودلالة إنتاجه في هذه المرحلة بالذات. نعم، العمل شديد الأهمية ثقافيا بغض النظر عن مستواه فنيا، والسبب يحاول إعادة تعريف المجتمع السعودي في فترة زمنية يفترضون أن المجتمع كان فيها متمدنا ومعتدلا دينيا ولا علاقة له بالمزاج الصحوي المتطرف الذي شهدته المنطقة عموما ابتداء من الثمانينات. ما المثير في وجهة النظر هذه؟ أنها تتعارض تماما مع السردية الراسخة في الوعي العربي بوصف السعودية معقلا للتطرف ومفقسا للتشدد، وهذه الصورة الأخيرة محمية ومروّج لها منذ عقود بحيث رسخت وانتهى أمرها. ولئن كانت حقيقية إلا أنها طرحت في سياق ثقافي طاغ وقاس غيّب أي صورة أخرى تناقضها للمجتمع. لهذا كان من الصعب جدا على المنتجين الثقافيين تناول أيّ هامش آخر يحايث تلك الصورة السائدة. لا الدراميون تجرؤوا على التحرش بالسردية الرسمية ولا الكتاب والنقاد، لا الباحثون ولا الفنانون. ولعل أعظم دليل على ذلك صدمة المجتمع نفسه حين نظر لنفسه في مرآة "العاصوف" فرأى غير المفكر فيه أو ما خشي التفكير فيه وكانت النتيجة أن انقسم الناس حول العمل بين متحمس له ومتحفظ ورافض له. لقد أمكن مثلا استذكار صورة للشاب السعودي السبعيني وهو يذهب إلى السينما، استذكر وهو يغني ويجلس في المقاهي، وهو يحب ويقيم علاقات غرامية مع الفتيات. بل أمكن استذكار صورة لبنات يمرحن ويسمعن الراديو، يرقصن ويتبرجن ويختلطن بالرجال، وهذا كان يعد كفرا بمعايير حراس القيم الدينية المشرفين على الميديا وعلى الحياة العامة طول العقود التي مضت. في المسلسل، ثمة تركيز على بوادر ما يسمونه بالصحوة الدينية، ويبدو الأمر هنا وكأن صانعي العمل يريدون عزو الصحوة لعوامل خارجية، فهناك شيخ سوري يقود خلية للإخوان المسلمين، خلية تتعاطى السياسية سرا، وتؤمن بفكرة استلام السلطة. والحق إن في هذا الطرح تبرئة تجانب الصواب وإلقاء للتهمة على الآخرين.
لماذا صنع هذا المسلسل في هذا الوقت بالذات؟ ما دلالاته؟ الأمر واضح، فهذا البلد المهم والمحوري في المنطقة يشهد تغيرا جوهريا في سياساته، وهو بصدد إعادة صياغة هويته والخروج من المعطف القديم ببطء وبخطوات محسوبة. الدراما أهم قناة يمكن بها تغيير الصورة القديمة والانعتاق من سجنها، وهذا يتطلب طرح أسئلة مسكوت عنها مثلما يتطلب حفرا في ذاكرة المجتمع بحثا عن سردية مغيبة.
هل سينجحون في ذلك؟ أتمنى ذلك لأن الأمر سنعكس إيجابا على العراق والمنطقة عموما.

قراءة 167 مرات

كاريكاتير

«
»

« آب 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة