; ; الشيب والألفة

الشيب والألفة

محمد غازي الاخرس

ومن أعجب ما قاله المتنبي وخالف به ما نشعر به: خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا..لفارقت شيبي موجع القلب باكيا. معنى عميق لا يخطر إلا في أذهان المتبحرين بالنفس الإنسانية. الإنسان ألوف حتى مع أسوأ مرحلة عمرية يمر بها. من منّا، نحن الخمسينيين مثلا، لا يتمنّى العودة إلى عشرينياته وثلاثينياته، ولكن حتى لو جاءنا الزمن بهيئة عفريت وقال لنا اصعدوا على ظهري لأرجعكم إلى فتوتكم لتلفتنا وراءنا حزانى على شيباتنا ومناداة الأولاد والبنات لنا "حجي..حجي"، هذا ما يعنيه أبو الطيب. أمس مثلا كنت في نزهة رائعة بجزيرة بغداد السياحية فوجدتني أسمع نداء الـ"حجي" مرات عدة. ابتسمت في سري وهمست لمن ينادي أنّ الحجي الذي ترونه لا يكاد يصدّق مرور السنوات به بهذه السرعة بحيث ينتهي به الأمر هكذا، تلهو الناس على العشب بينما هو متمدد يتفرج ويتحسر. هل الشيخوخة شعور نفسي؟ أعتقد ذلك لأن ثمة من هم أكبر مني سناً ولكنهم يعاندون الشيب ويجرجرون أجسادهم إلى أطياف عشرينياتهم وثلاثينياتهم الغاربة. أنا أقرب إلى الشيوخ اليوم رغم أنني أتحرق شوقا إلى الفتوة وأتذكرها بحسرة، ومع هذا قد أبكي عليها إذا عدت للشباب.
نعم، كره الإنسان الشيب وقال فيه ما قال منذ أن شدّ جلجامش حزامه ورحل بحثا عن عشبة الخلود. قيل الكثير شعرا وغناءً، أمثالا وكنايات: لا تعجبي يا سلم من رجل..ضحك المشيب برأسه فبكى، أو: ذهب الشباب فما له من عودة.. وأتى المشيب فأين منه المهرب. ترنم بها داخل حسن وهو يشير إلى وجهه المتعب ويبتسم. ليس أبو كاظم وحيدا بهذا بل هناك عشرات الباكين على شبابهم غناءً وشعرا. هلا سمعتم أبا العلاء المعري وهو يقول: إذا ما أسنّ الشيخ أقصاه آله..وجار عليه النجل والعبد والعرس.. وأكثر قولا والصواب لمثله.. على فضله ألا يحس له جرسُ ..
يسبح كيما يغفر الله ذنبه..رويدك في عهد الصبا ملئ الضرس. كذلك تباكت الصبايا من الشياب الذين دأب الأهل فيما مضى على بيعهن لهم بسبب الفقر. في مصر يغنين: تجوزوني الشايب أيه..هو انه وحشه ولا إيه، ويترنمن: عمي يا شايب ما بحبكشي..دقنك البيضه شكشك وشي. وفي العراق يغنين: أنه المسيجينه أنه.. آنه المظيلميه آنه..آنه الباعوني هلي بالنوط والوعده بسنه، ومن تباع له الصبايا هم الشياب الشبيهون بذلك الذي تزوجته تماضر في رواية (النخلة والجيران) ثم هربت منه لتلتحق بحبيبها
حسين.
الهروب من الشيب إلى الشباب دأب الإنسان أبدا، ومع هذا فإنه يمكن أن يبكي عليه بسبب نزعة التآلف مع الأشياء، يا لك من ثاقب النظرة يا أبا الطيب!

قراءة 474 مرات

كاريكاتير

«
»

« سبتمبر 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة