; ; النجف والغناء!

النجف والغناء!

محمد غازي الاخرس

قلتها وساظل أقولها; ليس ثمة افضل من الأغاني لمعرفة العصر الثقافي الذي تعيشه، قيمه الأخلاقية وأنساقه وأيديولوجياته. أنها أشبه بالبارومتر الذي يقيس كل شيء يتعلق بعصرها، بذاءتها من بذاءته ورفعتها من رفعته. إيقاعاتها مأخوذة من إيقاعات العصر، ولهجتها كذلك. ليس هذا حسب إنما الأمر يشمل كل ما يتعلق بالأغاني ابتداء من طرائق تداولها بين الناس وليس انتهاء بأساليب انتاجها صناعيا. هل ثمة من يتصور مثلا وجود محل لتسجيل الكاسيتات في شارع كشارع زين العابدين في النجف القديمة؟ أعني الشارع القريب من مرقد الإمام علي (ع). تخيلوا ذلك وقارنوه بعصرنا ثم اذهبوا لنفس الفترة وتخيلوا وجود محل آخر لتسجيل الكاسيتات في منطقة باب الدروازة في الكاظمية. هنا يسجل مطرب يدعى جعفوري وهناك يسجل مطرب يدعى هجان
النجفي.
نعم، عاودتني فكرة اختصار الأغاني لعصرها الثقافي وأنا أسمع تقديم عازف الكمنجة الأسطوري فالح حسن لحفل هجان النجفي المسجل يوم 5 ـ 5 ـ 1975. كان قد اعتاد فالح في الحفلات التي يحييها على إلقاء الكليشة الرائعة نفسها: نحن الآن في تسجيلات الأطلال الكائن في قضاء النجف، شارع زين العابدين، ومعنا مطربنا الشعبي هجان النجفي بصحبته فرقته الموسيقية المؤلفة من عازف الرق عباس النجفي، عازف الرق عبود بدن ..والخ. هذا ما سجله ذلك اليوم، والطريف أن من بين الضيوف الجالسين في الحفل اثنين من نفس صنف صاحب تسجيلات "الأطلال" آنفة الذكر وهما: جبار جلوب صاحب تسجيلات في كربلاء تقع في شارع السدرة الذي يمتد من مقام الإمام المهدي إلى الباب المسمى بباب سدرة المنتهى. والثاني هو محمد ابراهيم الجنابي صاحب تسجيلات الأفراح الواقعة في ساحة باب القبلة بمدينة الكاظمية.
شيء قد يعد غريبا في أيامنا لكنه كان عاديا حينذاك، في السبعينيات والثمانينات ولربما حتى منتصف التسعينيات، يوم انتعش الخطاب الديني وشرع كل شيء يتغير في المجتمع العراقي لدرجة أن محال التسجيلات اختفت بشكل شبه نهائي في بعض المناطق بينما ندر وجودها في أغلب المناطق
الأخرى.
ما الذي يعنيه هذا؟ إن ذلك لا يعني سوى شيء واحد؛ بعض القيم الثقافية تتغير من النقيض إلى النقيض. تضيق السبل وبعض الأشكال تخنق بفعل خطاب اجتماعي ليس بالضرورة أن يكون دينيا. والدليل أن شارع السدرة هو نفسه الذي لا يمكن اليوم تخيل افتتاح محل تسجيلات فيه، ويضخ الأمر على شارع زين العابدين، وساحة باب القبلة وباب الدروازة. فهل كان حراس المراقد الأخلاقيون آنذاك أقل تدينا من حراس اليوم؟ كلا، الحراس هم نفس الحراس لكن المجتمع كان أكثر تسامحا وهو اليوم أشد انغلاقا، ولي مع الموضوع عودة فانتظروا

قراءة 23 مرات

كاريكاتير

«
»

« يناير 2018 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        

إتصل بنــا

  • العنوان:    العراق -بغداد، حي السعدون، محلة 101، زقاق 20، دار12
  • موبايل: 009647704300067
  • البريد الالكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • www.nuijiraq.org

نبذة

هذا الموقع هو الموقع الرسمي الخاص بالنقابة الوطنيــــــة لـلـصـحفيين العراقيين. الموقع يعني بنشر جميع نشاطات النقابة أضافة الى أهم الأخبار العالمية والعربية والعراقية وفي مختلف المجالات.

الأكثر قراءة